محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
610
تفسير التابعين
ومع ذلك ، وبعد إحصاء ما ورد عنهم في هذا الباب ، وجدتهم قد اختلفت مناهجهم في ذلك ، وتباينت مسالكهم فيه . فإذا جئنا إلى المدرسة المكية نجد تباينا بين أفرادها في اعتمادهم على هذا المصدر من مصادر التفسير . فمجاهد مثلا أكثر هذه المدرسة نتاجا في هذا الباب ، وكثير من تفسيره هذا كان من هذا الباب ، فهو يأتي بالآية ، ويفسرها بآية أخرى ؛ ليزيل إشكالا واقعا فيها ، أو ليوضح حكما أصوليا من عموم ، أو خصوص ، أو غير ذلك ، وكل هذا يحتاج فيه إلى الاجتهاد ، وقريب من ذلك كان منهج عكرمة إلا أنه أقل نتاجا من مجاهد . فإذا جئنا إلى سعيد بن جبير ، فإننا نلحظ أن عامة ما قام بتفسيره هو من الآيات بالقرآن كان من آيات الأحكام ، وهو موافق لمنهجه الذي مر ذكره « 1 » . وكذلك كان الأمر بالنسبة لعطاء ، وزد على ذلك أن أكثر المنقول عنه كان في آيات الحج بخصوصها ، لما كان له من باع طويل في ذلك . أما مدرسة البصرة ، فقد غلب على أئمتها الوعظ ، وانعكس ذلك على تناولهم لتفسير الآيات بالقرآن ، فجل المنقول عن الحسن في ذلك كان مما له مساس وتعلق بالوعظ وأدل شيء على ذلك آيات الوعد والوعيد ، ولذا كثر عنده الاهتمام بتفصيل إجمال الآيات ، وإزالة مشكلها ، وبيان العموم والخصوص في آيات الوعد والوعيد ، وكثير من المنقول عنه من باب الإشارة ، أي يذكر الآية ، ويشير لمعناها في آية أخرى دون أن يذكرها صراحة ، وربما تلاها ولم يذكر أنها تفسير للأولى ، وكل هذا يتناسب مع منهج الوعظ الذي سلكه . ولم يبتعد قتادة عن هذا المنهج كثيرا ، إلا أنه ربما أضاف إلى ذلك اهتمامه بجمع المعاني الكثيرة من القرآن في تفسير آية ، كما جاء عنه في تفسير قوله تعالى :
--> ( 1 ) كما مرّ معنا ذلك في ترجمته ( 144 ) .